لوحات إياد الشيباني.. فرصة لتمسك الغيم
د. نصير جابر
جريدة الصباح
يبدو لي دائماً وأنا أتأمل لوحات الفنان التشكيلي الديواني إياد الشيباني، أنه ابن بارّ جداً لبيئته المحلية، وأنه يتمثلها بتعمد مدروس في كل جزئية أثناء مراحل عمله الدؤوب عند خلق ونسيج وتشكيل عالمه اللوني، ويبثها ما بين خطوطه وضربات فرشاته المحترفة، لتظهر (لغة) عالية، بليغة، خصبة تستطيع أن تتحاور مع المستفهم منها لحظة الاشتباك الدائم ما بين اللوحة والمتلقي. في كل حوار مفترض، تتجاور بمعطيات جديدة في كل مرة.
الشيباني الذي عاش وسط الفضاء الأخضر تهجى حرفه الأول بعيون تقرأ لغة النخيل والأنهار وحقول القمح والأرز الشاسعة. عرف وأدرك مبكراً أنه يعيش قرب مدن عمرها الأزل، وأن ثمة تراثاً خلاقاً بالقرب منه، حروف ورقم طينية وظلال تاريخ يحتاجها من يتعلم لهجته الخاصة لينطق باسمه، وكان أن تعلمها فصار الناطق الحريص على ربط خصب البيئة الزراعية الأزلية بماضيها السحيق حيث (نيبور) أول مكتبة في التاريخ، وحيث حقول النخيل التي ربما تكون أول سلالات النخل هنا أيضاً.
الأخضر في حقل مُفعم بالحياة يتماهى مع تدرجات الفضاء المحيط والحاضن له، الشجرة الوارفة تتسيد المركز، أصل الحياة والحكمة والمحبة، تكاد ترى أعشاش الطيور، وربما تسمع هديلها وزقزقتها، وحركتها ما بين الأفنان، مثلما تلمح أشعة الشمس وهي تنعكس على سطوح الأوراق، لتتخمر لوناً آخر، يشي بأن الحياة، المرموز لها بالشمس الغائبة التي تدور خلف غيمة داكنة، هي من يحرك كل شيء. في الأفق البعيد نرى الأشجار تصطف وتتناغم في مشهد أخاذ تنتظر دورها في نهاية اللحظة اللونية وكأنها الخبر في الجملة الاسمية. فبها يتم المعنى.. وتنهض الدلالات.
فالطبيعة عنده ليست مجرد موضوع فني يصلح لكل فنان ودارس، بل هي لغة تحتاج إلى إصغاء خاص وفهم عميق حتى يمكن أن نجرؤ ونتجشم عناء رسمها.
الشيباني عاشق الغيوم، وربما هو أبرع من يجسدها بدقة متناهية حتى لتكاد تلمسها في فرصة سانحة يوفرها لك عند التحليق في فضاء لوحاته المعبرة عن الطبيعة.
في عمل قديم له، مواد مختلفة على ورق كارتون كما يعرفه هو، ندخل متاهة لونية وبصرية، إذ تعمد أن يجعل زوايا الرؤيا تعطي انطباعات مختلفة من كل زاوية، هل هو زقاق قديم، سوق المدينة العتيق، بيوت، لا يمكن أن نتيقن من شيء، ولكن ما هو أكيد أننا أزاء (الذاكرة) التي تضج وتعتمل بها مشاهد الألفة المحببة التي تستعاد في هذا المزيج اللوني، والحركي المبهر والعميق، إذ كلما تمسك منه بخيط قد يدلك على الدخول تكتشف أن الأمر أعقد مما تظن، لذا لا سبيل غير أن تقرأ اللوحة بوصفها تجسيدات مرئية لحلم ملحاح.. فكل ما مرّ في ذاكرتك عن صخب الأمكنة ستراه ينبض أمامك، بروائحه وظلاله ومساقط الضوء التي تعرك معها الألوان وتستخرج منها سلسلة من الأطياف الجديدة.
ولد الشيباني في الديوانية في محلة السراي عام 1964، تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة العام 1990، حصل على الماجستير العام 2010، ثم الدكتوراه في فلسفة الفن، شارك في العديد من المعارض منذ مطلع الثمانينيات، منها مع أستاذه الفنان الكبير فائق حسن، نال العديد من الجوائز.. ولا ينكر تأثره بمن تتلمذ على أيديهم مثل محمد صبري وإسماعيل الشيخلي ومحمد غني حكمت، ولكن ما لا يقوله هو أنه اختط لنفسه طريقاً مائزاً جعل من أعماله تكتنز خصوصية محلية، لكنها تحاور بعالمية متكئة على إرث خصب.
إياد الشيباني ملون ماهر وصانع أحلام، ويتركك وسط لوحته من دون أن ينقذك لتجرب الغرق في غدائر الدهشة الصافية.
جريدة الصباح
2022/9/28
العدد 5504
لوحات اياد الشيباني المرفقة مع المقال.