بقلم عاصم الربيعي
في حضرة الرواد، لا يتعلم الفنان بالفطرة فحسب، بل بالملازمة والمراقبة والشغف. هكذا بدأت رحلة الفنان إياد الشيباني، الذي لم يكن مجرد تلميذ في مدرسة الرائد الكبير فائق حسن، بل كان ظلاً مخلصاً له، يقتفي أثر ضربات فرشاته ويترصد سرقة أسرار اللون من باليتة معلمٍ لا يجود بأسراره بسهولة. عُرف الشيباني بملازمته الدائمة لفائق حسن كان يرافقه في الحل والترحال، يرقب تلك اللحظة الخاطفة التي تهبط فيها الفرشاة على القماش. تخللت هذه العلاقة مواقف إنسانية وممازحات لطيفة، لم تخلُ أحياناً من جرأة أو خروج عن المألوف، لكنها كانت تعكس عمق الرابطة الإنسانية التي سمحت للشيباني أن يمتص جوهر الفن من منبعين أساسيين: فائق حسن بقوته اللونية، ومحمد صبري بدقته وبنائه الفني.
لم يكن تأثر الشيباني بـ فائق حسن مجرد تقليد، بل كان استيعاباً لفلسفة "الفائقية" في التعامل مع الطبيعة. الفنان فائق حسن، الذي طوع البيئة العراقية وحولها إلى سيمفونيات لونية، ترك أثراً لا يُمحى في مخيلة الشيباني. لقد تعلم منه كيف يجعل اللوحة تتنفس من خلال الضوء، وكيف يمنح اللون سيادةً مطلقة تتجاوز حدود الشكل والمنظور التقليدي.
كمراقب وناقد تشكيلي، أرى أن الشيباني هو الأول في رسم الطبيعة في الفن العراقي المعاصر بلا منازع، حيث نجح في تطوير ما أسميه "الجاذبية الانطباعية الفائقية". من خلال تأمل أعمال الشيباني، نجد هذا الربط جلياً
في لوحات الوديان والجداول، نرى كيف استلهم من فائق حسن قوة الضوء الساقط ففي اللوحة التي تصور طريقاً ريفياً متعرجاً، تبرز ضربات الفرشاة البيضاء كأنها وهج شمس حقيقي، وهو أسلوب "فائقي" بامتياز يحول المنظر الصامت إلى مشهد نابض بالحركة.
استطاع الشيباني مزج الألوان الرومانسية التي تبعث الدفء العراقي. في لوحاته، يذكرنا بصيف القرى العراقية فرغم حرارة الألوان المنبعثة من السماء والأرض، إلا أنك تشعر ببرودة "باريسية" نسبة لمدرسة فائق حسن الانطباعية داخل البساتين وبين البيوت الطينية، مما يخلق توازناً بصرياً مدهشاً
عنفوان الكتلة اللونيّة:
تظهر في لوحاته خاصة لوحات النخيل الكثيف استخداماً غنياً للصبغة اللونية، حيث تصبح ضربة الفرشاة بحد ذاتها قيمة جمالية، تماماً كما كان يفعل فائق حسن حين يختزل الطبيعة في ضربة فرشاة واحدة مشبعة بالضوء واللون.
انطلق الشيباني من واقعية الطبيعة، لكنه لم يتوقف عندها، بل استخدم اللون ليعبر نحو التجريد. نرى في أعماله التجريدية التي تمزج الأزرق والأرجواني والبرتقالي كيف تحول المشهد الطبيعي إلى "مسيرة متواصلة لا نهاية لها" من الكتل اللونية. في هذه اللوحات، تذوب تفاصيل النخلة أو النهر لتتحول إلى طاقة شعورية نقية، تذكرنا بجوهر الأشياء لا مظهرها الخارجي.
إن إياد الشيباني في أعماله لا يرسم الطبيعة، بل يرسم "ذاكرة الضوء" فيها. لقد أخذ من الفنان فائق حسن سر اللون ومن الفنان محمد صبري هندسة الجمال، ليصوغ عالماً انطباعياً تتآلف فيه حرارة الصيف العراقي برومانسية الريشة الفائقية، مما جعله المتفرد الأول في رسم الأرض والماء والسماء في تاريخنا المعاصر.