ــــــــــــــــــــــــــ
الفنان التشكيلي الدكتور إياد الشيباني يمثل حالة فنية متفردة في المشهد العراقي والعربي، فهو لا يكتفي بأن يكون رساماً للطبيعة أو مبدعاً للتجريد، بل يضع نفسه في موقع الفيلسوف الذي يقرأ العالم عبر اللون والخطوط والملمس. إن تجربته الطويلة الممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، جعلت منه شاهداً على تحولات الفن العراقي، ومشاركاً في صياغة خطاب بصري جديد، يقوم على المزج بين الواقعية التعبيرية والتجريد الواعي، وبين الانفعال العاطفي والوعي النقدي.
لقد اختار الشيباني الواقعية التعبيرية نهجاً أساسياً، لكنه لم يتوقف عند حدودها، بل جعل منها بوابة إلى فضاءات أوسع، حيث الطبيعة ليست مجرد مشهد خارجي، بل انعكاس داخلي لخلجات النفس. في لوحاته الريفية، نرى الحقول والسماء والأشجار وقد تحولت إلى رموز للصفاء والحنين، لكنها في الوقت نفسه تحمل توتراً جمالياً يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الأجوبة. اللون هنا ليس مجرد عنصر زخرفي، بل هو أداة للتفكير، وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الذات والذاكرة. إن الأصفر الذي يغمر الحقول، والأخضر الذي يكسو الأشجار، والأزرق الذي يملأ السماء، كلها تتحول إلى إشارات بصرية تحمل دلالات تتجاوز حدود المشهد الطبيعي، لتصبح خطاباً فلسفياً عن الحياة والوجود.
أما في أعماله التجريدية، فإن الشيباني يذهب أبعد من ذلك، حيث يحرر اللون من أي دلالة مباشرة، ويجعله فضاءً للتأمل والانفعال. هذه الأعمال تبدو للوهلة الأولى مجرد ملونات، لكنها في العمق تحمل بواطن فكرية، قد تستعصي على المتلقي ما لم يكن عارفاً بأسرار النفس البشرية وإرهاصاتها. هنا يظهر وعيه النقدي، إذ لم يعتمد على السجية وحدها، بل أخضعها لدراسات ومعاينات نقدية، مما جعل أعماله تتسم بوعي فلسفي وتقني في آن واحد. كل لوحة لديه هي موقف بصري وفكري، لا يمكن قراءتها قراءة سطحية، بل تحتاج إلى تأمل طويل، وإلى استعداد للدخول في حوار مع الذات ومع الفنان نفسه.
التكنيك اللوني عند الشيباني يمثل سمة بارزة في تجربته، فهو يوظف الألوان بانسجام مدروس، ويخلق منها إيقاعات بصرية تتسم بالعمق والثراء. لا نجد في أعماله عشوائية أو زخرفة مجانية، بل نرى تنظيماً داخلياً يربط بين الكتلة والفراغ، وبين الضوء والظل، ليمنح اللوحة بعداً جمالياً وفكرياً في آن واحد. هذا التكنيك يعكس فلسفة مكتسبة، نابعة من مشاهدات ودراسات نقدية، ومن وعيه بأن الفن ليس مجرد تعبير عاطفي، بل هو أيضاً خطاب فكري.
في اللوحات التي أرفقتها، تتجلى هذه السمات بوضوح: المشهد الريفي الأصفر الذي يوظف اللون والملمس لخلق عمق بصري وانفعال داخلي؛ المرأة التي تتماهى مع الطبيعة، حيث تذوب الحدود بين الإنسان والمكان، في تعبير عن وحدة الوجود؛ والطريق المتعرج وسط النخيل، الذي يوحي بالرحلة الداخلية، وبالارتباط بالجنوب العراقي كذاكرة بصرية وروحية. هذه الأعمال ليست مجرد لوحات، بل هي نصوص بصرية، تحتاج إلى قراءة نقدية، وإلى تأمل فلسفي.
إن تجربة الدكتور إياد الشيباني تؤكد أن الفن ليس مجرد جماليات سطحية، بل هو خطاب متكامل، يجمع بين الشكل والمضمون، بين الانفعال والوعي، بين الذات والآخر. أعماله تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة، باللون، بالذاكرة، وبالإنسان نفسه. إنها دعوة إلى الغوص في أعماق الذات، وإلى اكتشاف ما وراء المشهد، وما وراء اللون. تحية لهذا الفنان الذي جعل من اللوحة العراقية خطاباً بصرياً متفرداً، ومن اللون فلسفة، ومن الطبيعة مرآة للروح، وجعل من تجربته شهادة على قدرة الفن على أن يكون أداة للتفكير، ووسيلة للتأمل، وجسراً بين الإنسان والعالم.
محمـد جبار
2026