عن موقع المراقب العراقي.
في تجربة الفنان الدكتور إياد الشيباني تتجلى الريادة كحالة جمالية متجددة لا بوصفها استعراضًا تقنيًا فحسب بل كإصرار على أن يكون الفن مرآة للروح والطبيعة والذاكرة الإنسانية.
فمنذ اللمحة الأولى في لوحاته يدرك المتلقي أنّه أمام تجربة تمتلك وعيًا عميقًا بالتفاصيل وقدرة على تحويل المشهد الطبيعي من كونه مجرد صورة مألوفة إلى نص بصري نابض بالحياة والدهشة.
يُدرك الدكتور اياد الشيباني أن الطبيعة ليست عنصرًا محايدًا بل هي كائن يتنفس ويحتفظ بأسراره داخل اللون والضوء والظل. لهذا جاءت أعماله وكأنها دعوة للتأمل حيث يذوب المتلقي في تنوع درجات الأخضر وامتداد الأزرق السماوي وفي العلاقة المتناغمة بين الأرض والسماء بين الضوء والظل. إنّه يكتب الشعر باللون لكن شعره لا يُقرأ بالحروف بل يُرى بالعين ويُحس بالقلب. في اللوحات التي نعرضها هنا نلمس قدرة الفنان على الإمساك باللحظة العابرة
الغيم وهو يتمدد في السماء الشجر وهو يتهامس مع الريح الماء وهو يلمع تحت أشعة الشمس.
هذه التفاصيل الدقيقة ليست مجرد مهارة تقنية بل هي حساسية عالية تقود الريشة إلى حيث يتوحد الفنان مع المشهد.
فالدكتور إياد لا يرسم الطبيعة كما يراها بل كما يشعر بها وهو ما يجعل المتلقي جزءًا من التجربة وكأنه يعيش في ذلك الممر الترابي أو يجلس تحت تلك الظلال الوارفة.
إن تميّز الشيباني لا يقف عند حدود الإتقان الأكاديمي بل يتجاوزه إلى بناء شخصية فنية لها ملامحها الخاصة.
فهو ينطلق من تقاليد الفن الواقعي الكلاسيكي لكنه يمنحه روحًا جديدة عبر ضربات فرشاة حرة وحيوية تجعل المشهد يتنفس ويضج بالحركة.
الألوان عنده ليست ساكنة بل متحركة تلتقط التحولات بين الصباح والمساء بين الصفاء والعاصفة بين السكون والانفعال.
وإذا كان كثير من الفنانين يرون في الطبيعة موضوعًا تقليديًا فإن الدكتور إياد الشيباني يقدّمها كعالم مفتوح على التأويل.
هي ليست مجرد منظر طبيعي بل استعارة للحياة ذاتها بتعرجاتها وصعوباتها وجمالياتها.
حتى الممرات الترابية والغيوم المتناثرة تحمل في لوحاته معنى أعمق إنها إشارات إلى دروب الإنسان الداخلية وإلى الأمل الذي يتجدد في قلبه كلما نظر إلى الأفق.
هكذا يقدّم لنا الفنان لوحة ليست مجرد صورة بل نص بصري يمكن قراءته مرات ومرات وكل قراءة تمنح المتلقي معنى جديدًا. وربما سرّ إبداعه يكمن في هذا التوازن الدقيق بين البساطة والعمق، بين العفوية والإتقان بين الذاكرة الفردية والرؤية الكونية.
إن تجربة الدكتور إياد الشيباني تؤكد أنّ الفن ليس ترفًا جماليًا بل ضرورة إنسانية تمكّننا من إعادة اكتشاف العالم من حولنا بعين جديدة.
وفي زمن يضج بالسرعة والضوضاء تأتي لوحاته لتذكّرنا بأن الطبيعة لا تزال قادرة على منحنا السكينة وأن اللون حين يتجلى في يد فنان متمكن يمكن أن يصبح صلاة صامتة ترفع الروح إلى أفق أرحب
اميرة ناجي - فنانة تشكيليّة -
صحيفة المراقب العراقي
2025/12/28
العدد 3753