في تجربة الفنان العراقي إياد الشيباني تتجلى اللوحة الانطباعية بوصفها فضاءً فلسفيًا مفتوحًا، لا يكتفي بتمثيل المشهد، بل يعيد تأويله جماليًا ووجوديًا، عبر إمكانيات لونية عالية الحساسية قادرة على التقاط روح المكان العراقي لا شكله الظاهري فقط. إن اللون عند الشيباني ليس قيمة تزيينية أو انفعالية عابرة، بل هو بنية فكرية وجمالية تحمل الذاكرة، والزمان، وتحولات الضوء في فضاءٍ مثقل بالرمز والتاريخ.
تتأسس تجربته اللونية على وعي عميق بالانطباعية، لا بوصفها مدرسة تقنية فحسب، بل كمنهج إدراكي يرى العالم في حالته المتغيرة. فالضوء في لوحات الشيباني لا يسقط على الأشياء، بل ينبثق منها؛ كأن المكان العراقي ــ بنخيله، وأنهاره، وأزقته، وسمائه المثقلة بالغبار والحنين ــ يولّد لونه الخاص من داخله. هنا يتحول اللون إلى وسيط فلسفي، يكشف عن العلاقة الجدلية بين الإنسان والمكان، بين الذاكرة والحضور.
إن الأجواء العراقية الواضحة في أعماله لا تأتي عبر المباشرة السردية، بل من خلال نَفَس لوني مشبع بالحرارة والهدوء في آنٍ واحد. تدرجات البني، والأصفر الترابي، والأزرق المغبر، ليست اختيارات عفوية، بل هي استدعاء لجماليات المكان بوصفه كيانًا حيًا، يتنفس عبر اللوحة. ومن هذا المنطلق، يصبح المتلقي شريكًا في التجربة، لا مشاهدًا خارجيًا؛ إذ يجد نفسه منخرطًا في حالة تأملية تستدعي ذاكرته البصرية والوجدانية معًا.
ومن الناحية الفلسفية، يمكن قراءة لوحات إياد الشيباني بوصفها محاولة لمصالحة الحس مع الفكر. فاللوحة لديه لا تقدم جوابًا، بل تفتح سؤالًا جماليًا: كيف يمكن للون أن يحمل هوية؟ وكيف يتحول المكان إلى حالة شعورية؟ هنا يبرز أثر أستاذه ومعلمه الأول فائق حسن، ليس على مستوى التقنية فقط، بل في الرؤية؛ تلك الرؤية التي ترى في اللوحة فعلًا إنسانيًا مرتبطًا بالأرض والناس والضوء المحلي. غير أن الشيباني لا يستنسخ معلمه، بل يعيد صياغته ضمن حساسية معاصرة أكثر هدوءًا وتأملًا.
إن “الطعم العراقي” في لوحات إياد الشيباني يشبه موسيقى داخلية خافتة، لا تصرخ بهويتها، لكنها تفرض حضورها بعمق. وبهذا المعنى، تنجح أعماله في إسقاط جماليات المكان على وعي المتلقي، لتخلق لوحة عراقية لا تُرى فقط، بل تُعاش. لوحة تحمل أثر فائق حسن بوصفه الجذر، لكنها تنمو بأغصان خاصة، تعبر عن فنان أدرك أن الجمال ليس في تمثيل الواقع، بل في كشف جوهره.
امين شاتي - لندن
21/1/2026